السيد محسن الأمين
77
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الفاطميين المصريين بني عبيد قد أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وان بلادهم بلاد حرب فإنه ادعاء باطل وافتراء على العلماء ولو كان ذلك صحيحا لتمسك به أعداؤهم خلفاء بني العباس وجعلوه من أعظم الحجج لهم فأخذوا فتاوى العلماء بذلك ولو وقع ذلك لشاع وذاع ولذكره أهل السير والتواريخ ونقلة الأخبار مع أنه ليس له في كتبهم عين ولا أثر ولما كان بنو العباس يعدلون عنه إلى كتابة محضر بعدم صحة نسبهم فقط شهد فيه جماعة من العلماء خوفا على أنفسهم وامتنع من الشهادة الشريف الرضي وقصته في ذلك مع القادر العباسي مشهورة ذكرها المؤرخون ولا شيء أطرف من قوله وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلاد المسلمين فانا لا نعلم أحدا من المسلمين غزاهم وهذه كتب التواريخ شاهدة بذلك وانما استنجد آخر خلفائهم الملقب بالعاضد بنور الدين ملك الشام لما خاف على بلاده من الإفرنج فأرسل اليه صلاح الدين الأيوبي فكان انقراض دولتهم على يده بدون حرب ولا قتال ولا غزو بل على عادة الملوك في تغلبهم على ملك غيرهم إذا أنسوا منهم ضعفا كما تغلب صلاح الدين على ملك مصر وخرج عن طاعة نور الدين مع أنه هو الذي أرسله وكان بمنزلة العامل عنده ثم تغلب صلاح الدين على الشام بعد موت نور الدين وطرد ولده من الملك وخبر ذلك في التواريخ مشهور أفهذه أدلة محمد بن عبد الوهاب وهذا مبلغ علمه بالتأريخ ( وقوله ) غزاهم المسلمون طريف جدا فإنه مناف لتكفير الوهابية المسلمين وإشراكهم إياهم فان المسلمين في عصر الفاطميين المصريين مثلهم في عصر الوهابيين لا يزيدون عنهم بشيء فقد كانوا في ذلك العصر يبنون القباب على القبور ويعظمونها ويتشفعون بالصالحين فإن كان هؤلاء مشركين فأولئك مشركون ولم يكن في عصر الفاطميين وهابية يغزون فكيف سماهم مسلمين . وهذا كقول صاحب المنار أيها المسلمون مع تصويبه اعتقاد الوهابية فيهم كما بيناه في غير هذا الموضع ولكن هؤلاء عند حاجتهم للمسلمين يعترفون بإسلامهم وإذا استغنوا عن ذلك كفروهم وأشركوهم . نعم ان المسلمين أجمعوا على ضلالة الوهابيين وخروجهم من الجماعة وقتالهم وغزاهم المسلمون بأمر خليفة الإسلام السلطان العثماني وعساكره وعساكر مصر والشام والعراق والعجم في عهد محمد علي باشا حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين كما فصلناه في تاريخهم فإن كان ذلك دليلا على الكفر والارتداد فهو دال على كفر الوهابية وخروجهم من الدين كما انك قد عرفت في الباب الأول أقوال العلماء في حق ابن تيمية قدوة الوهابية وبآذر بذور مذهبهم وأول من زقا بالقول بالتجسيم وصنف فيه ( فإجماع ) العلماء قائم على ضد قول ابن عبد الوهاب لا معه مع أنه لا قيمة لإجماع العلماء عنده وان تظاهر بالتمسك به ( أما قوله ) إذا كان الأولون لم يكفروا الا انهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسل وغير ذلك فما معنى ذكر العلماء باب المرتد إلخ ففيه كما مر ان المعترض لم يقل ان الأولين لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين هذه الأشياء بحيث لو نقص واحد منها لم يكفروا وانه ليس شيء سواها مكفرا بل لما قاس الوهابية حال المسلمين اليوم على حال مشركي قريش توجه عليهم الاعتراض بان هذا قياس مع الفارق كما عرفت . نعم لو كان الصادر من الأولين مجرد الاستغاثة والتوسل والاستشفاع وتعظيم القبور كان القياس صحيحا ولكن الصادر منهم غير ذلك مما يوجب التكفير فلم يبق في ذلك دلالة على أن الاستشفاع ونحوه موجب للكفر وحينئذ فاستشهاده بذكر العلماء باب المرتد تطويل بلا طائل 77 كما عرفت لعدم انكار أحد إمكان حصول الارتداد مع الإقرار بالشهادتين انما الكلام في أن المتنازع فيه هو موجب للارتداد أم لا وهذا لا ينفع فيه ذكر العلماء باب المرتد على أن جميع علماء المذاهب الذين ذكروا باب المرتد وبينوا ما يوجب الارتداد لم يذكروا من جملته الاستغاثة والاستشفاع بالصالحين فدل على إجماعهم على أنه ليس موجبا للارتداد وبطل بذلك زعم الوهابية فما استشهد به شاهد عليه لا له ( قوله ) مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه ( أقول ) الذي ذكره علماء المذاهب في باب المرتد ان من تكلم بكلمة الكفر كقول الله ثالث ثلاثة استهزاء أو عنادا أو اعتقادا كفر « 1 » لا مطلق من قالها كما يقتضيه اطلاق كلامه قصدا لتهوين امر الارتداد ( قوله ) أو على وجه المزح واللعب ستعرف مما يأتي بعده شرح ذلك ورده وانه خيانة في النقل وتدليس . ( ومن الغريب ) قوله بان الذين نزل فيهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا الآية كفرهم الله بكلمة مع أنهم في زمن الرسول ( ص ) يجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون فان هذه الآية مع كونها كغيرها من استشهاداته لا حاجة إلى الاستشهاد بها كما عرفت نزلت في المنافقين ( ففي ) أسباب النزول للواحدي قال الضحاك : خرج المنافقون مع رسول الله ( ص ) إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله ( ص ) وأصحابه وطعنوا في الدين فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله ( ص ) فقال ( ص ) يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك فانزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم وقال قتادة ذكر لنا ان رجلا من جهينة ورجلا من غفار اقتتلا فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبي يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد الا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأخبر النبي ( ص ) فأرسل اليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية انتهى ( وفي الكشاف ) أقام رسول الله ( ص ) في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم الجلاس بن سويد فقال الجلاس والله لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم سادتنا وأشرافنا فنحن شر من الحمير فقال له عامر بن قيس الأنصاري أجل والله ان محمدا لصادق وأنت شر من الحمار وبلغ ذلك رسول الله ( ص ) فاستحضره فحلف بالله ما قال فنزلت الآية انتهى وهي قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ولكونها نزلت في المنافقين قال صاحب الكشاف كفروا بعد إسلامهم أظهروا كفرهم بعد اظهارهم الإسلام انتهى والذي هموا به فلم ينالوه الفتك برسول الله ( ص ) عند مرجعه من تبوك توافق خمسة من المنافقين على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا صعد العقبة فرآهم عمار قائد ناقة النبي ( ص ) أو حذيفة سائقها وهم ملثمون فقال إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا ذكره الواحدي عن الضحاك وذكره الزمخشري فهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن عبد الوهاب انهم يجاهدون ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون وما ينفعهم ذلك وهم منافقون يسبون رسول الله ( ص ) ويطعنون في الدين ويقولون في حقه ( ص ) سمن كلبك يأكلك ويحاولون
--> ( 1 ) راجع الاقناع في حل ألفاظ أبي شجاع وحاشيته ص 229 ج 2 في الفقه الشافعي وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير لزكريا الأنصاري ص 390 ج 2 في الفقه الشافعي أيضا .